محمد باقر الملكي الميانجي
18
مناهج البيان في تفسير القرآن
الكعبة . ويشهد على ذلك أمور : الأوّل : إنّ المراد من القبلة - المعرّفة باللّام - ما سبق في الآية السابقة : « ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » ، فمورد اعتراض السفهاء عليه صلّى اللّه عليه وآله وعلى المسلمين إنّما هو ترك القبلة الّتي كانوا عليها . الثاني : إنّ هذه القبلة أي « الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها » حيث ما شرّعت إنّما شرّعت للاختبار والامتحان لا تأليفا لليهود بالنسبة إلى جعل بيت المقدس ، ولا تأليفا للمشركين بالنسبة إلى جعل الكعبة . فلا محالة يقع المجعول امتحانا للمؤمنين لا لليهود لأنّ الامتحان لليهود يكون في رفعها ونسخها ، وصريح الآية أنّ الامتحان في جعل القبلة لا في نسخها . فيكون المراد من القبلة المجعولة هي بيت المقدس بمكّة والممتحن المؤمنين من العرب وقريش ، ومن يريد من المشركين أن يؤمن ، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله ومن معه من المسلمين يصلّون إلى الكعبة إلى حين حوّلت إلى بيت المقدس ثمّ نسخت وأعيدت إلى الكعبة . الثالث : إنّ المراد من الجعل في الآية هو التشريع والأمر . وهو لا يمكن إلّا بعد الرسالة وبعد الأمر بالبلاغ حتّى آمن به جمع من الناس الّذين يريد تعالى بهذا الجعل امتحانهم واختبارهم لكي يميّز المؤمن من المدبر وأمّا قبل الرسالة والبلاغ فليس هناك جعل ولا تشريع ولا بلاغ فلا محالة يكون الجعل بعد الرسالة بزمن يسير أو كثير . فعلى هذا يبطل ما قالوا أنّه صلّى اللّه عليه وآله صلّى إلى بيت المقدس مدّة مقامه بمكّة . فتحصّل أنّ الآية تدلّ على أنّ اللّه تعالى جعل بيت المقدس قبلة بعد الرسالة والبلاغ ، وبعد أن يؤمن جمع من العرب به صلّى اللّه عليه وآله ، وأنّ هذا الجعل إنّما كان لأجل امتحانهم واختبارهم ليميّز المؤمن من المدبر . وأمّا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يصلّي إلى الكعبة قبل الرسالة والبلاغ أم لا ؟ فالآية الكريمة فيها إشارة إلى ذلك أيضا ، إذ لا يكون جعل بيت المقدس امتحانا واختبارا إلّا أن يكون خلاف ما كانوا عليه . قال في الجوامع / 28 : « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها » وهي الكعبة .